الكتاب: داخل سوريا(Inside Syria: The Backstory of Their Civil War and What the World Can Expect)
الكاتب: ريز إرليخ(Reese Erlich)
الناشر: الدار العربية للعلوم, ترجمة رامي طوقان
الحديث حول الأزمة السورية هو حديث ذو بعد أخلاقي قبل أن يكون سياسي. ولقد اتخذت الأزمة السورية أبعادا مختلفة تجاوزت البعد الإنساني المزعوم بمراحل طويلة حيث التلاعب بالألفاظ وانقلاب المفاهيم والدعاية المضللة. إن تلك الأبعاد لها علاقة بالنفط وخطوط المواصلات ونقل الطاقة حول العالم, صراع جيوسياسي دفعت سوريا ثمنه غاليا. حقوق الإنسان هي آخر ماتهتم لأمره الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة, بريطانيا وفرنسا, دونالد ترامب أعلنها صريحة وواضحة, يريد حصة الولايات المتحدة من النفط السوري. كما أن الرئيس السوري بشار الأسد وصف دونالد ترامب خلال إحدى لقائاته مع صحفيين سوريين بأنه أفضل رئيس للولايات المتحدة لأنه صريح وواضح.
إستفزتني قرائة في كتاب "داخل سوريا - Inside Syria" على أحد المواقع الإعلامية المضللة التي تدس السم بالعسل تحت مسمى حرية الرأي والتعبير واحترام ميثاق الشرف الإعلامي والكليشة المعروفة حول أن الموقع لايتحمل المسؤولية وأن المواضيع تعبر عن وجهة نظر كاتبها. كتاب "داخل سوريا" قام بتأليفه سنة 2015 صحفي أمريكي ريز إرليخ وصدرت ترجمته العربية عن دار نشر العربية للعلوم في نفس السنة باعتبار أي كتاب يوجه النقد الى الحكومة السورية يتم ترجمته وتعميمه والترويج والدعاية له بشكل فوري.
عنوان الكتاب بالكامل هو "داخل سورية؛ قصة الحرب الأهلية وما على العالم أن يتوقع" وهو عنوان مضلل لأن وصف الأزمة السورية بأنها حرب أهلية يسمح بإلقاء القسم الأكبر من المسؤولية على الرئيس السوري والحكومة السورية تمهيدا لاستصدار قرار بالتدخل في سوريا كما حصل في ليبيا. إن مقاربة الأزمة السورية عبر تصويرها أنها مجرد صراع بين معارضة ترغب في إنهاء القمع وبين نظام دكتاتوري سمح بتجاهل الدور التركي والأمريكي في تقديم الدعم الى معارضة سلفية تكفيرية في صراعها مع نظام حكم علماني يحفظ الانسجام بين كافة فئات الشعب بناء على حقوق المواطنة. كما سمح ذلك بإخفاء البعد الكوني للنزاع وتصويره بأنه مشكلة داخلية بين المعارضة ونظام الحكم. ولكن تلك المقاربة لم تصمد طويلا بسبب المعارضة المسلحة وحتى المعارضة التي تقيم في الخارج والتي سارعت الى طلب التدخل الأجنبي وفق النموذج الليبي وذلك قبل دخول الجهاديين الى ساحة المعركة بفترة زمنية طويلة. وقد بقي الحديث عن الحرب الأهلية في سوريا هو الخيار الوحيد بعد فشل كافة المحاولات السابقة. ولكن حتى نطلق على ما يحدث في سوريا حرب أهلية, يجب أن يكون نصف السكان في مواجهة النصف الآخر وهو مالم يحدث. فقد بقيت المواجهة محصورة بين مقاتلين أجانب يشكلون الأغلبية مع تواجد ضئيل للعنصر المحلي الذي كان ينتمي للغالب الى مناطق الأرياف مقابل قوات الجيش العربي السوري ومؤيديهم في المدن والمراكز الحضرية خصوصا في أكبر مدينتين في سوريا, دمشق وحلب.
إن أكثر فصول الكتاب إثارة للدهشة هو الفصل السادس حيث يتحدث الكاتب هجمات الأسلحة الكيميائية المزعومة في مدينة دمشق, الغوطة, ومدينة حلب, منطقة خان العسل, حيث تم إستخدام غاز السارين. الكاتب إعترف على مضض بأن المعارضة السورية قد تكون استخدمت الأسلحة الكيميائية في أكثر من مناسبة وأن الجيش السوري لن يستفيد من شن هجوم كيميائي في الغوطة حيث كانت قواته متقدمة على الأرض ولا في خان العسل ضد مناطق موالية له وفي وجود مفتشين للأمم المتحدة مما يعتبر انتحارا سياسيا وعسكريا. وقد ذكر الكاتب عددا من الأدلة والقرائن منها أن معارضين سوريين قبض عليهم في تركيا وبحوزتهم كمية من غاز السارين ومخطط من أجل الهجوم على القاعدة العسكرية الأمريكية في مدينة أضنة. دليل آخر ذكره نقلا عن الصحفي البريطاني روبرت فيسك أن صواريخ الغراد التي تم إستخدامها في الهجوم قد صنعت سنة 1967 في الإتحاد السوفياتي وتم تصديرها الى مجموعة دول منها العراق, مصر وليبيا ولكن ليس سوريا. المثير للاستغراب أن كل تلك الهجمات قد بدأت بعد توقيع المجلس الوطني السوري ونظيره الليبي إتفاقية تعاون عسكري, حيث نُقِلَ عن خبراء من روسيا الإتحادية قاموا بمعاينة مواقع الهجمات أن غاز السارين الذي تم إستخدامه مصدره ليبيا.
إن كل ما سبق ذكره فيما يتعلق بهجمات الأسلحة الكيميائية في سوريا لم يرضي المفكر نعوم تشومسكي الذي طالب بطريقة غير مباشرة قوات جيش الإحتلال الصهيوني بتقديم الدعم الى الجهاديين والتكفيريين عبر حشد قوات في الجولان المحتل من أجل إشغال قسم كبير من قوات الجيش السوري بما يخدم أهداف المعارضة السيطرة على المدن السورية. حتى أنه اعتبر فشل الولايات المتحدة في تنفيذ حملة قصف جوي سنة 2013 ردا على حادثة مزعومة لإستخدام الأسلحة الكيميائية أمر بالغ الأهمية. ولعل السبب في وجهة النظر تلك هي أن نعوم تشومسكي يبحث عن المثالية. ولكن بالنسبة الى مفكر له تاريخ عريق من معارضة الولايات المتحدة وسياساتها ودولة الكيان الصهيوني, تلك سقطة لا تغتفر. المفكر تشومسكي وهو من المعارضين العنيدين ضد المغامرات الخارجية للولايات المتحدة وضد تدخل الإدارة الأمريكية في شؤون الدول الأخرى. المفكر الأمريكي وعالم اللسانيات الشهير كان متفائلا بأحداث الربيع العربي خصوصا في سوريا حيث تماهى مع وصف الكاتب لها بأنها حرب أهلية وتحدث عن حركة الاحتجاجات بأنها كانت سلمية وأن ردة فعل الحكومة كانت متوحشة وعنيفة.
أختلف مع أغلب محتوى الكتاب ولا أتفق إلا مع ما ذكره الكاتب في الفصل السادس منه والذي قام بفعل ذلك, ربما من أجل حفظ ماء وجهه وإظهار نوع من الحيادية, كلمة حق يراد بها باطل. ولكن ذلك ليس سببا يمنع شراء الكتاب وقرائته والتعليق عليه. لي موقف شخصي من محتوى الكتاب, ربما. ولكن في النهاية, أنا أستعرض كتب مؤلفين يمثلون وجهات نظر مختلفة. حتى أنني في مشروع مائة كاتب وكتاب قد تحدثت عن كتب من تأليف ناشطين ومفكرين معادين للإسلام منهم روبرت سبنسر, مارك ستاين وحنان قهوجي المعروفة باسم الشهرة بريجيت غابرييل. أنصح بشراء الكتاب وقرائته من أجل تعميق المعرفة حول أساليب التضليل الإعلامي التي يستخدمها صحفيون, كتاب ووسائل إعلام غربية.
المصادر:
1- كتاب "داخل سوريا(Inside Syria: The Backstory of Their Civil War and What the World Can Expect)"
2- موسوعة الويكيبيديا
3- كتاب "عاصفة على الشرق الأوسط الكبير" , السفير الفرنسي السابق ميشيل رامبو
النهاية
No comments:
Post a Comment